عماد الدين خليل
91
المستشرقون والسيرة النبوية
وكل ما فعله كتّاب السيرة الغربيّون هو أنهم أقرّوا اللوحة التي تقدمها السيرة عن الفترة المكية في خطوطها الكبرى ، واستعملوها إطارا لا يحتاج إلا لتوشيته بأكبر كمية ممكنة من مواد القرآن ( ! ! ) وأفضل طريقة هي اعتبار القرآن والأحاديث الأولى كمصادر يتمّ بعض منها بعضها الآخر في مساهمته لفهم تاريخ الفترة المشار إليها . ويطلعنا القرآن على الجانب الفكري لمجموعة من التغيّرات التي حدثت في مكة وفي ضواحيها ، ولكن يجب الاهتمام أيضا بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إذا أردنا تكوين لوحة متناسقة وإدراك الجانب الفكري نفسه » « 1 » . أمّا القول بتحيز القرآن وعدم موضوعيته ، والشك في صدق النتائج التاريخية التي يطرحها . . فقد لا يستطيع أحد أن يلزم الرجل بالاعتقاد بأن القرآن - ككتاب منزل من اللّه سبحانه - إنما هو العلم الموضوعي اليقينيّ المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ولكننا كمسلمين ؛ فإننا غير ملزمين البتة بقبول بل حتى بمناقشة أطروحات كهذه طالما أكد عليها المستشرقون . ولكن حتى لو نظرنا إلى القرآن كوثيقة تاريخية ؛ فإن القول بعدم موضوعيته وبالشك في معطياته التاريخية أمر يحتاج إلى دليل . . و ( وات ) يطرح مقولته على عواهنها . . ولا نجد بعدها في طول كتابه وعرضه مقطعا قرآنيا واحدا يخرج عن الموضوعية . . ولا نجد أيّ دليل ! ! وعلى أي حال ؛ فإن كتاب اللّه ما جاء ليكون كتابا تاريخيا يتابع التفاصيل والجزئيات لحظة بلحظة ويوما بيوم ، كما نجد في العهدين القديم والجديد اللذين دونا في فترات لا حقة على نبوتي موسى وعيسى عليهما السلام . وبرغم ذلك فقد استطاع عدد من الباحثين أن يستخلصوا من القرآن
--> ( 1 ) المصدر السابق نفسه ، ص 12 - 13 .